الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
43
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
من الممكن أن يكون المقصود من السماء هنا معناه الظاهر ، وكذا يمكن أن تكون كناية عن مقام القرب الإلهي ، كما نقرأ في الآية ( 9 ) من سورة فاطر : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه . ثم أضاف قائلا : ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ، أي حتى يدخل البعير في ثقب الإبرة . إن هذا التعبير كناية لطيفة عن استحالة هذا الأمر ، وقد اختير هذا المثال والتصوير الحسي للإخبار عن عدم إمكان دخول هؤلاء الأشخاص في الجنة ، فكما لا يتردد أحد في استحالة عبور الجمل بجثته الكبيرة من خلال ثقب الإبرة ، فكذلك لا ينبغي الشك في عدم وجود طريق لدخول المستكبرين إلى الجنة مطلقا . و " الجمل " في اللغة يعني البعير الذي خرجت أسنانه حديثا ، ولكن أحد معاني الجمل هو الحبل القوي والمتين الذي تربط به السفن أيضا ( 1 ) . وحيث إن بين الحبل والإبرة تناسبا أقوى وأكثر ، لهذا ذهب بعضهم إلى هذا المعنى عند تفسير الآية ، ولكن أكثر المفسرين الإسلاميين رجح المعنى الأول ، وهم على حق في هذا الاتجاه لأمور : أولا : إن في أحاديث أئمة الإسلام كذلك تعابير تناسب التفسير الأول . ثانيا : إنه يلاحظ نظير هذا التفسير حول الأثرياء ( المتكبرين الأنانيين ) في الإنجيل أيضا ، ففي إنجيل لوقا الباب 18 الجملة 24 و 25 نقرأ هكذا : إن عيسى قال : " ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله . لأن دخول الجمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله " . ولا أقل يستفاد من هذه العبارة أن هذه الكناية كانت متداولة بين الشعوب
--> 1 - راجع " تاج العروس " ، و " القاموس " مادة الجمل .